محافظ المهرة يعزي محافظ حضرموت بوفاة الدكتور رياض الجريري     مصادر لـ"المهرة بوست" : اشتباكات واندلاع حريق في معسكر تابع للتحالف السعودي بمديرية سيحوت     الحكومة توجه بتشكيل غرف عمليات تحسبا للمنخفض المداري     محافظ المهرة يستقبل اتصالاً هاتفياً من محافظ سقطرى للاطمئنان على سلامة طاقم وركاب السفينة المفقود     فريق طبي أممي يصل عدن لعلاج حالات الإصابة بكورونا     وصول أول طائرة تقل اليمنين العالقين في الأردن إلى مطار سيئون     شاهد .. وصول ركاب السفينة المفقودة إلى المهرة .. (فيديو)     محافظ المهرة يدعو المواطنين لأخذ الحيطة والحذر بسبب تغيرات الطقس .. (الحساب الرسمي)     سلطنة عمان تعلن عن ارتفاع الإصابات بـ"كورونا"     الحوثيون: احتجاز التحالف العربي لسفن الغذاء والوقود مؤشر وحشية مفرطة     السعودية تفرج عن "عبدالكريم ثعيل" بعد 3 أشهر من اعتقاله     "صفقة جديدة".. السعودية تريد قنابل أمريكية دقيقة لإنهاء حرب اليمن     الحكومة توجه بفتح منفذ الوديعة البري مع السعودية لعودة اليمنيين العالقين في الخارج     الرئيس هادي: لا خلاص للشعب اليمني إلا بتحرير كامل أراضيه وبناء الدولة الاتحادية     صحيفة : اتفاق وشيك بين الحكومة اليمنية والحوثيين    
الرئيسية > أخبار اليمن

محافظة المهرة من العزلة إلى قلب عاصفة جيوسياسية "تصوير وكتابة يحيى السواري"


رجال قبائل ومتظاهرون محليون مهريون يتظاهرون رفضا للسعودية

المهرة بوست - مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية
[ الإثنين, 15 يوليو, 2019 - 05:09 مساءً ]

 ألقي القبض على مؤلف هذا التقرير من قبل قوات الأمن في المهرة في 3 يوليو / تموز 2019، وما يزال مكان تواجده غير معروف حتى تاريخ نشر هذا التقرير في 5 يوليو / تموز.

كان السواري قبل اعتقاله يجري بحثاً لمركز صنعاء في المهرة منذ ستة أشهر، وهذا التقرير هو نتاج ذلك البحث.

ويطالب مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بمعلومات حول مكان تواجد يحيى السواري وسبب اعتقاله، ويصرّ على منحه كامل حقوقه التي يكفلها له الدستور والقانون اليمني.

ملخص تنفيذي

محافظة المهرة هي المحافظة الأكثر عزلة في اليمن، وقد نجت حتى الآن من ويلات الحرب التي شهدتها معظم مناطق البلاد، إلا أنها تواجه حالياً اضطرابات عديدة نتيجة صراع على النفوذ الجيوسياسي حولها يشمل كلاً من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان.

ومنذ سبعينات القرن الماضي تعتبر مسقط محافظة المهرة امتداداً طبيعياً لمحيط أمنها القومي، إلا أن الرياض في العقود التي تلت سعت لبناء خط أنابيب نفطي يعبر المحافظة باتجاه بحر العرب؛ فيما لم تبرز اهتمامات أبو ظبي بالمهرة إلا مع تفجر النزاع الحالي في اليمن.

سعت كل من السعودية والإمارات، تحت مظلة تدخلهما العسكري المستمر في اليمن، إلى حماية مصالحهما الخاصة في المهرة. قوبلت الجهود التي بذلتها الإمارات بين عامي 2015 و2017 لبناء نفوذ لها في المحافظة بالرفض في النهاية بسبب المعارضة المحلية للتدخل الأجنبي.

يتمتع المهريون بتاريخ فريد من نوعه في إدارة شؤونهم الخاصة، بالإضافة إلى امتلاكهم رؤية مشتركة للسيادة ضمن نظام فيدرالي يحافظ على وحدتهم بشكل ملحوظ.

ومع ذلك، استغلت السعودية سطوتها على الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لاستبدال المسؤولين غير المتعاونين في المهرة وتعيين بدائل طيّعين لها، وفي أواخر عام 2017 بدأت الرياض تنشر قوات مسلحة تابعة لها في المهرة تحت مظلة مكافحة التهريب عبر الحدود العمانية.

اليوم، تسيطر السعودية على مطار المحافظة والمنافذ الحدودية والميناء البحري الرئيسي، وقد بنت أكثر من عشر قواعد عسكرية حول المحافظة يتمركز فيها الآلاف من الجنود وقوات يمنية موالية للتحالف جرى حشدها من محافظات جنوبية أخرى.

وقد حفز الشعور العميق بالهوية المحلية حركة معارضة متزايدة للوجود السعودي في المهرة، وهي المعارضة التي ساندتها عمان بفاعلية.

وفي حين بدأت هذه المعارضة كمظاهرات سلمية، إلا أنها تطورت في الأشهر الأخيرة إلى اشتباكات محدودة مع القوات السعودية، في حين نفذ سلاح الجو السعودي غارات جوية ضد رجال قبائل المهرة.

تشرح هذه الورقة سياق الصراع على القوة المتمخض عن هذه الأحداث من خلال دراسة شخصية وتاريخ المهرة الفريدَين، بالإضافة للتطورات الجارية منذ انتفاضة اليمن عام 2011، كما تتناول بالتفصيل الديناميات الناشئة بين مختلف الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية لتسليط الضوء على جملة العوامل التي تسهم في التوتر الحالي، في واحدة من أكثر المناطق اليمنية إهمالاً من قبل وسائل الإعلام.
 

الخلفية التاريخية والثقافية

المهرة هي ثاني أكبر محافظات اليمن من حيث المساحة، وهي منطقة تقع في أقصى شرقي البلاد، تحدها عمان من الشرق، والسعودية من الشمال، ومحافظة حضرموت من الغرب، وبحر العرب من الجنوب. ويعد ساحلها البالغ طوله 560 كيلومتراً هو الأطول من أي ساحل آخر في أي محافظة يمنية. تغطي منطقة الربع الخالي الصحراوية الشاسعة معظم مناطق شمال المهرة، كما تشمل المحافظة أيضاً منطقة جبلية في الشرق تكسوها موسمياً أشجار خضراء مورقة.

ووفقاً لمذكرة نشرها المحافظ مؤخراً، يبلغ عدد سكان المهرة بمن فيهم النازحون داخلياً حوالي 650 ألف نسمة.
 

يتألف سكان المهرة من القبائل بشكل رئيسي. تنتشر القبائل، المعروفة مجتمعةً باسم المهريّين، خارج الحدود الرسمية للمحافظة – وهي بالكاد واضحة في بعض الأماكن – في محافظة حضرموت المجاورة، بالإضافة إلى السعودية وسلطنة عمان.

ينتمي جميع المهريين تقريباً إلى الإسلام السني، مع انتشار تقاليد صوفية قوية في المجتمع المحلي.

إن عزلة المهرة الجغرافية وتاريخها منحاها ثقافة مختلفة عن المناطق الأخرى في اليمن. تتحدث قبائل المهرة لغة سامية فريدة تعرف باسم المهرية، وهي لغة عربية جنوبية قديمة، وهي لغة منطوقة بشكل شبه حصري.

وكان السلطان يتخذ القرارات بناءً على استشارات قبلية ويلعب دور الوسيط المحايد في النزاعات، وبالنظر إلى الطبيعة التعاونية لشكل الحكم في المهرة، إلى جانب حقيقة عدم امتلاك السلطان أي قوات عسكرية مخصصة، فقد شهدت المنطقة القليل جداً من صراعات السلطة، وخلال تلك الفترة، صعد آل عفرار وأسسوا سلالة وراثية، ليحكم سلاطين عفرار المهرة وسقطرى من عاصمتهم في قشن، البلدة الواقعة على الساحل الجنوبي. وما تزال قلعة عفرار قائمة في القرية حتى اليوم.


قلعة عفرار في بلدة قشن التي كانت عاصمة سابقة لسلطان المهرة وسقطرى. الصورة بتاريخ 10 فبراير / شباط 2019

 

ظلت المنطقة سلطنة مستقلة حتى عام 1967، عندما تم طرد القوات البريطانية من اليمن الجنوبي بعد ثورة الجبهة القومية للتحرير ذات الميول الماركسية. وعلى الرغم من رفض المهرة التحالف مع الجبهة القومية ضد البريطانيين، وإصرار السلطان على حاجة سلطنته إلى حماية متواصلة من المقاتلين الماركسيين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف، إلا أن بريطانيا قامت بسحب جميع قواتها من المحافظة عام 1967 تاركةً المهرة عرضة للاجتياح. وقد قُتل العديد من المهريين في أعمال عنف أعقبت الخروج البريطاني.[6]

بعد نهاية السلطنة، أصبحت المهرة محافظة ضمن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية المنشأة حديثاً (اليمن الجنوبي). تم فصل سقطرى عن المهرة ودمجها بمحافظة حضرموت. وبعد حين جرى توحيد المهرة، مع بقية اليمن الجنوبي، مع اليمن الشمالي لتتشكل الجمهورية الحديثة في مايو / أيار 1990.

المهرة ودول الخليج

تمتلك المهرة روابط عميقة مع دول الخليج المجاورة، ولا سيما عمان والسعودية، فلدى معظم الأسر أقارب هاجروا إلى دولة مجاورة للعمل أو حصلوا على جنسية ثانية.

تعود هذه الصلات إلى سببين: أولاً سهولة التنقل والوصول إلى المهرة عبر الحدود مع عُمان والسعودية، وثانياً تمتع المهريين بحق السفر دون تأشيرة إلى جميع مناطق العالم العربي بجواز سفر سلطنة المهرة في الماضي.

يعيش العدد الأكبر من المهريين المقيمين خارج المحافظة في عمان، وبالإضافة إلى الروابط الحدودية والقبلية واللغوية، فإن أهالي المهرة وظفار العمانية يتشاركون في العادات والتقاليد والأطعمة الشعبية. كانت ثورة ظفار (1962-1976) في عُمان حدثاً مهماً في تاريخ البلاد، حيث أكدت أهمية المهرة الأمنية بالنسبة لمسقط.[7] فمنذ ذلك الحين أخذ الحاكم العماني السلطان قابوس بن سعيد، يضع سياسات لتحسين العلاقات مع سكان المهرة وبناء نفوذ عماني في المحافظة، وإلى جانب منح العديد من المقيمين الجنسية العمانية، كانت مسقط أيضاً تمنح المهريين الذين يعيشون في سلطنة عمان حرية سفر وحقوق عمل. ونتيجة لذلك، تخلت بعض أسر المهرة عن الجنسية اليمنية بعد حين، ولا سيما بالنسبة لأطفالها المولودين في عُمان. ومع ذلك، فإن على المهريين الذين لا يملكون جنسية عمانية أو لا يعيشون في عمان التقدم للحصول على تأشيرة من أجل دخول السلطنة المجاورة.

أما السعودية ففيها ثاني أكبر عدد من المواطنين المهريين المتجنسين. بدأت الرياض بتأسيس نفوذها في المحافظة في ثمانينات القرن الماضي من خلال حملة تجنيس. فقد مُنح شيوخ القبائل البارزين، بمن فيهم عبد الله بن عيسى آل عفرار (أو بن عفرار)، ابن آخر سلاطين المهرة، إقامة سعودية ووثائق سفر ومزايا مالية. وقد جاء نهج السعودية لتنمية العلاقات ومنح الامتيازات لشخصيات مؤثرة محاولة لإفشال النهج العماني، الذي دأب على منح الجنسية للمئات من أبناء المهرة من مختلف الخلفيات الاجتماعية.

سعت السعودية إلى بناء نفوذ لها في المهرة كجزء من طموحاتها المتداولة لبناء خط أنابيب نفط يعبر المحافظة إلى بحر العرب.[8] من المحتمل أن ينطوي خط أنابيب المهرة المقترح على فوائد اقتصادية وأمنية كبيرة للرياض، حيث سيتم تخفيض التكاليف المتعلقة بنقل النفط من الآبار السعودية على سواحل الخليج العربي والمناطق الجنوبية المحاذية لليمن عبر السماح للناقلات بتجنب مضيق هرمز . بالإضافة إلى ذلك، فإن لتجاوز مضيق هرمز آثاراً هائلة على أمن النفط العالمي، بالنظر إلى التهديدات الإيرانية بإغلاق الممر المائي الذي يمر به خُمس نفط العالم في حال اندلاع أي صراع مستقبلي مع السعودية أو الولايات المتحدة.[9]

بدأت المناقشات لبناء خط الأنابيب في الثمانينات بين السعودية وحكومة اليمن الجنوبي، وفقاً لرئيس اليمن الجنوبي السابق علي ناصر محمد.[10] وقد فشلت هذه المحادثات ولكن سرعان ما أعيد إحياؤها بعد توحيد اليمن عام 1990. وكجزء من المفاوضات، أصرت الرياض على الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح للسماح بنشر القوات السعودية في منطقة عازلة طولها 4 كيلومترات حول خط الأنابيب المقترح للحفاظ على أمن المنشآت. وقد رفض علي عبدالله صالح هذا الطلب باعتباره انتهاكاً لسيادة اليمن، وتم تأجيل المشروع.[11]

وبالنظر إلى أن الانتشار العسكري السعودي الحالي في المهرة منح السعوديين سيطرة فعلية على مناطق واسعة من المحافظة، يعتقد الكثير من السكان المحليين الآن أن الرياض تستغل الوضع الحالي في اليمن لإحياء تطلعاتها لبناء خط أنابيب النفط.[12] المهريون عموماً يعارضون المشروع باعتباره انتهاكاً لسيادتهم، بينما تنظر عُمان إلى المناورة السعودية باعتبارها انتهاكاً لنطاق نفوذها.[13]



جوازات سفر صادرة عن سلطنة المهرة وسقطرى السابقة. كما هو مكتوب في أعلى الصفحة، كانت جوازات السفر هذه صالحة لـ”كافة الأقطار العربية”.


 

المهرة من ثورة 2011 إلى النزاع المتواصل

قبل ثورة 2011 والانحدار اللاحق لليمن في هوة النزاع المسلح، لم تكن المهرة قد شهدت تاريخياً أياً من أشكال الاستقطاب السياسي أو الفكري الذي شهدته مناطق أخرى من البلاد. فلم تتمكن الأحزاب السياسية من الحصول على موطئ قدم في المحافظة لأن القبيلة ظلت الأداة الرئيسية للتنظيم السياسي والاجتماعي، ورغم أن بعض الأحزاب السياسية فتحت مكاتب لها في المهرة، إلا أنها لم تكن تتمتع بأي قاعدة شعبية كبيرة هناك. وهكذا، كانت تعيينات المناصب الإدارية في السلطة المحلية الحاكمة للمهرة تستند بشكل شبه حصري إلى اعتبارات قبلية، كما لم تتوفر الكثير من الحوافز لدى الجهات السياسية الفاعلة للاستثمار في حشد دعم شعبي لها في المهرة، بالنظر إلى عدد سكان المحافظة الضئيل مقارنة بالمحافظات الأخرى، بالإضافة إلى التبعثر الشديد للسكان في أرجاء المحافظة.

عملت العزلة السياسية والاجتماعية للمهرة أيضاً على إبقاء المحافظة بعيدة عن الأحداث التي سبقت النزاع الأهلي في البلاد، وهو اتجاه تواصل خلال الحرب الحالية، فبعد الثورة الشعبية التي أدت إلى استقالة الرئيس صالح، حضر ممثلون من المهرة مؤتمر الحوار الوطني (عامي 13-2014).

كانت معارضة المهرة للانضمام إلى محافظة حضرموت متأتية من الخوف من التهميش داخل الكيان الجديد. كما لم يرغب سكان المهرة في رؤية ثقافتهم وتاريخهم الفريد ككيان مستقل تتحطم خصوصيته نتيجة للدخول مع حضرموت ذات الحضور المهيمن في إقليم واحد. بدلاً من ذلك، دعا الممثلون المهريون إلى ضم سقطرى إلى محافظتهم، كما كانت في عهد السلطنة، لتشكلا إقليماً مستقلاً في ظل نظام فيدرالي جديد.[15]

بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء في عام 2014، تحالفت المهرة مع الرئيس هادي والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وبعد المصادمات في يناير / كانون الثاني 2015 بين جماعة الحوثيين المسلحة وأنصار الحكومة، قدم هادي استقالته ووُضع قيد الإقامة الجبرية، قبل أن يفر من صنعاء باتجاه محافظة عدن. في فبراير / شباط 2015، دعا محافظ المهرة في ذلك الوقت، محمد علي ياسر، إلى استمرار تنصيب هادي رافضاً سيطرة الحوثيين.[16] وبعد أن بدأت قوات الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق صالح التقدم إلى المناطق الجنوبية من اليمن، اضطر هادي إلى الفرار مرة أخرى، هذه المرة عبر محافظة المهرة، حيث كانت محافظة آمنة وموالية، ومن المهرة اجتاز هادي الحدود إلى عُمان. أيدت السلطة المحلية في المهرة في وقت لاحق إعلان مارس / آذار 2015 بشأن عملية عاصفة الحزم، والتدخل العسكري الإقليمي بقيادة السعودية والإمارات لدعم حكومة هادي.[17]

المهرة تكيّف اقتصادها خلال النزاع

بسبب شح الدعم الحكومي المركزي، بدأت السلطة المحلية في المهرة بتطوير حلول مستقلة لضمان الاستقرار الاقتصادي للمحافظة. قام المحافظ آنذاك محمد علي ياسر بالتواصل مع سلطنة عمان، والتي وافقت على توفير الديزل لفرع المؤسسة العامة للكهرباء في محافظة المهرة بمدينة الغيضة. كما أنشأ ياسر لجنة المنتجات البترولية التي سمحت للتجار باستيراد وبيع المنتجات النفطية في المحافظة مقابل دفع ضرائب للسلطة المحلية، لتحل اللجنة محل شركة النفط الحكومية. ولتسهيل المدفوعات الضريبية، فتح الرجل حساباً مصرفياً في شركة صرافة محلية. ورغم أن قراره لم يكن قانونياً من الناحية الإجرائية (حيث كانت الدولة تحتكر تجارة النفط بموجب القانون)، إلا أنه تمكن من استئناف واردات النفط إلى المهرة وتوفير عائدات لتمويل ميزانية المحافظة.

 

سياح مهريون في محمية حوف الطبيعية، 27 يوليو / تموز 2018.


 

محاولات الإمارات كسب النفوذ في المهرة

وصل ممثلون إماراتيون من التحالف إلى المهرة في أغسطس / آب 2015 بمهمة معلنة هي دعم السلطة المحلية والحفاظ على الأمن في المحافظة. كان الهدف الأولي المعلن للإمارات مساعدة سلطة المهرة المحلية في بناء قواتها الأمنية. وقد تم التوصل إلى اتفاق لإصدار قرار بين الإماراتيين والمحافظ، يقضي بتجنيد وتدريب 2000 من أبناء المحافظة، لكن سرعان ما نشأ صراع على السلطة والسيطرة على تلك القوة الناشئة. اقترحت الإمارات تجنيد المهريين عبر شيوخ محليين، وتدريب المجندين في معسكر الخالدية في حضرموت، قاعدة قوات النخبة الحضرمية المدعومة إماراتياً. رفض علي ياسر هذه الشروط وأصر على أن يتم الاستقدام والتدريب تحت الإشراف العام للسلطة المحلية.

ولتسوية النزاع، شكل علي ياسر لجنة مؤلفة من مسؤولين من السلطة المحلية وأجهزة الأمن، والتي اقترحت أن تشرف مباشرة على تجنيد السكان المحليين لقوات الأمن على أن يتم التدريب في مدينة الغيضة، عاصمة محافظة المهرة، وذلك من قبل ضباط الجيش والأجهزة الأمنية اليمنية مع إشراف مسؤولين عسكريين إماراتيين يعملون بصفة استشارية.

وعلى الرغم من عدم رضا الإمارات عن ذلك الرد، إلا أنها وافقت على الشروط.[25] تم فتح باب الاستقبال واستقبلت اللجنة 4000 متقدم، تم اختيار 200 منهم للدفعة الأولى. لكن قبل بدء التدريب، تمت إقالة علي ياسر من قبل الرئيس هادي. وفي نوفمبر / تشرين الثاني 2015، تم تعيين بن كده مكانه.

أبدى المحافظ بن كده في البداية مرونة أكبر مع التحالف من سلفه علي ياسر، مما عزز العلاقات بين الإمارات والسلطة المحلية، وكامتنان من جانب المحافظة للدعم الإماراتي، قام بن كده بتسمية الدفعة الأولى من قوات الأمن الجديدة، والتي تخرجت في مايو / أيار 2016، باسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الأب المؤسس لدولة الإمارات. كما وافق على تدريب الدفعة الثانية من المجندين المهريين مباشرة من قبل ضباط إماراتيين وفي معسكر الخالدية في حضرموت. واستجابة لذلك، زادت الإمارات دعمها المباشر للمحافظة، حيث بدأت جمعية الهلال الأحمر الإماراتي بتوزيع المساعدات الإنسانية على السكان، مع توفير 41 عربة ومركبة للمحافظ تتبع للإدارة الأمنية في المهرة. إلا أن شهر العسل ذلك لم يستمر، إذ توترت العلاقات مجدداً بعد محاولات الإمارات وضع القوات المشكلة حديثاً تحت قيادتها مباشرة وتجاوز السلطة المحلية.[26]

تصاعد الضغط على بن كده، وخاصة من قبل أعضاء السلطة المحلية، الذين طالبوا المحافظ باتخاذ إجراءات تحفظ استقلال المنطقة في مواجهة الجهود الإماراتية لتهميش صناع القرار المحليين. كان الكثير من هؤلاء المسؤولين قد نسجوا علاقات وثيقة مع عُمان، والتي كان يزداد توجسها من الوجود الإماراتي المتزايد في نطاق نفوذها التاريخي. وقد كان التوتر بين البلدين الخليجيين قائماً بالفعل بسبب رفض عُمان الانضمام إلى التحالف العسكري ضد قوات الحوثيين، ناهيك عن كشف شبكة تجسس إماراتية مزعومة في عمان عام 2011.[27]

كان العمانيون يتمتعون بعلاقات جيدة مع بن كده منذ كان لاجئاً سياسياً في عُمان. وقد بدأوا باستثمار علاقاتهم مع بن كده ومسؤولين آخرين في السلطة المحلية لتأكيد نفوذهم في المهرة. وهو ما بدأ بدعم اقتصادي إضافي لاستكمال شحنات الديزل التي كانت قائمة، بما في ذلك توصيل 16 مولداً بطاقة 11 ميغاوات في ديسمبر / كانون الأول 2016 للمساهمة في تغطية العجز الكهربائي في المهرة.[28] ساعد هذا الدعم بشكل كبير في التخفيف من انقطاع التيار الكهربائي المتواتر في المحافظة.

وفي بداية عام 2017، أخبر بن كده المسؤولين الإماراتيين أن على القوات المهرية أن تتلقى أوامرها فقط من السلطة المحلية.[29] وفي ذلك الطلب، كان بن كده مدعوماً من سلطنة عمان، والسلطة المحلية، والمجلس العام لأبناء محافظتي المهرة وسقطرى، وهي هيئة شكلها زعماء القبائل عام 2012 برئاسة السلطان عبد الله بن عفرار.
[30] ونتيجةً لذلك قام الإماراتيون، الذين فسروا تلك المعارضة كخيانة لهم، بالانسحاب الكامل من المحافظة. كذلك استعاد المسؤولون الإماراتيون المركبات والعربات التي سبق أن قدموها للمحافظ، قائلين إنها بحاجة لصيانة، لكن حتى الآن لم يتم إرجاع أي منها.[31]


جندي تابع للسلطات المحلية في المهرة يدير نقطة تفتيش “تنهالن” على الطريق الرئيسي في مديرية الغيضة، 15 سبتمبر / أيلول 2018.


محاولة العودة الإماراتية عبر المجلس الانتقالي الجنوبي

مثَل تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي فرصة للإماراتيين لاستعادة نفوذهم في المهرة. تم الإعلان عن الانتقالي الجنوبي، والمدعوم بشكل أساسي من الإمارات، في مايو / أيار 2017 بمحافظة عدن، برئاسة عيدروس الزبيدي – الذي كان قد اقاله هادي من منصبه كمحافظ لعدن في أبريل / نيسان 2017 – وهو يدعو إلى انفصال محافظات اليمن الجنوبي السابق. بدأ الانتقالي الجنوبي بعد تشكيله بالعمل على إنشاء فروع له في محافظات اليمن الجنوبي السابقة. تواصل الزبيدي مع بن كده ليمنحه عضوية في الانتقالي الجنوبي، لكنه رفض وأكد ولاءَه للرئيس هادي والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. بعد هذا الرفض، عرض الزبيدي على السلطان بن عفرار مقعداً في المجلس لتمثيل محافظتي المهرة وسقطرى، وقد وافق بن عفرار بعد بعض التردد، قبل أن توضع خطط لافتتاح فرع للمجلس في المهرة.[32]

السلطان عبد الله بن عيسى بن عفرار هو ابن آخر سلطان حكم سلطنة المهرة. وقد كان عمره 5 سنوات فقط عندما تم ضم السلطنة إلى اليمن الجنوبي، مما أدى لمصادرة الكثير من ممتلكات العائلة وثروتها، إلى جانب محاكمة والده السلطان عيسى بن علي بن عفرار، والذي خُفّفت عقوبة الإعدام عليه في اللحظة الأخيرة من قبل رئيس اليمن الجنوبي آنذاك سالم ربيع علي. حصل السلطان عبد الله في وقت لاحق على وثائق سفر سعودية – كجزء من حملة بسط النفوذ التي أطلقتها الرياض في المحافظة مطلع الثمانينات – ليقضي معظم حياته لاحقاً في المملكة العربية السعودية.[33]

عاود بن عفرار الظهور مرة أخرى كشخصية عامة في اليمن عام 2012، وذلك بعد أن قام وفد من الشيوخ بزيارته في السعودية وطلب منه على حد قوله، بصفته ابن السلطان الأخير من السلالة المهرية الحاكمة سابقاً، أن يكون الممثل العام لمحافظتي المهرة وسقطرى كرئيس للمجلس العام لأبناء محافظتي المهرة وسقطرى.[34] وبعد قبوله العرض، استمر بن عفرار في العيش بين السعودية والمهرة إلى أن بدأت علاقة السلطان بالسعوديين تتدهور منذ عام 2017 ورفضت الرياض تجديد وثائق سفره.

بعد ذلك دعت سلطنة عمان بن عفرار إلى مسقط، وعرضت عليه الجنسية العمانية، كما منحته امتيازات رعاية للمساعدة في تعزيز مكانته مع سكان المهرة، بما في ذلك إمكانية التوسط في منح تأشيرات الدخول وتصاريح الإقامة لأبناء المهرة في السلطنة. وصفت تقارير إعلامية في ذلك الوقت التواصل العماني مع بن عفرار كخطوة لكبح النفوذ الإماراتي المتزايد في المهرة.[35]

يعتبر بن عفرار شخصية شعبية ومؤثرة في المهرة، بسبب انتمائه إلى السلالة الحاكمة السابقة. ومنذ عودته إلى المحافظة، تولى بن عفرار الدور القيادي التشاوري الذي سبق أن تولاه أجداده. كما بذل قصارى جهده للتأكيد على وحدة أبناء المهرة وسقطرى علناً، وواصل التأكيد على وجود أرضية مشتركة بينهم قبل مناقشة أي خلافات. سيلعب بن عفرار دوراً حاسماً لاحقاً كرئيس للحركة الشعبية المعارضة للوجود السعودي في المحافظة.

بعد تأجيله أكثر من مرة كشف افتتاح مكتب المجلس الانتقالي الجنوبي في مدينة الغيضة في 30 أكتوبر / تشرين الأول 2017 عن تضارب بين أجندة المجلس الانتقالي الجنوبي والمشاعر الشعبية في المهرة. فقبل الحفل، فرض بن كده الكثير من الشروط على المجلس، والتي تضمنت الامتناع عن أي خطاب ينال من سلطة الحكومة اليمنية أو يثير التحريض ضد اليمنيين الشماليين. وفي وقت لاحق، رحب بن عفرار في كلمته الافتتاحية بإنشاء المجلس الانتقالي الجنوبي برعاية الحكومة اليمنية الشرعية، في تناقض مباشر مع الطموحات الانفصالية للمجلس.

في نفس اليوم الذي أقيم فيه الحفل، تسبب حادث أمني بدفن مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي في المهرة قبل أن يبدأ؛ فقد اعتقلت قوات الأمن المهري مجموعة من المسلحين كانوا يحاولون اعتراض سيارة تُقل سجناء إلى حضرموت، وكان من بين المسلحين قاسم الثوباني، قائد حراسة مدير أمن عدن شلال شايع، فيما كان السجناء الذين جرت محاولة الإفراج عنهم أعضاء في قوات الحزام الأمني ??في عدن، كان السجناء متهمين بقتل ثلاثة رجال من الحضارم، وكان الثوباني قد طلب إطلاق سراحهم في السابق وفقاً لأحمد محمد قحطان، مدير أمن محافظة المهرة.[36] وبعد الكشف عن أن وصول الثوباني إلى المهرة كان مصحوباً بقوة أمنية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ظهرت مشاعر غضب محلية ودعوات لإجراء تحقيق في علاقة الزبيدي – رئيس المجلس – بمحاولة تهريب السجناء، ولتهدئة التوترات، نفى رئيس الانتقالي الجنوبي أي ارتباط له مع الثوباني، طالباً حماية المحافظ لكي يتمكن من مغادرة المنطقة بأمان. وقد أعرب الرئيس هادي في وقت لاحق عن سعادته بمحافظ المهرة وأهلها وبولائهم واستعدادهم لدعم شرعية الحكومة.[37]


شاحنة تستعد فجراً للاحتجاج على الوجود العسكري السعودي في منطقة الطوف بمديرية حات في المهرة، 24 سبتمبر / أيلول 2018.


 

حملة لفرض السيطرة السعودية على المهرة

برر الجيش السعودي تدخله في المهرة بالحاجة إلى وقف تهريب الأسلحة عبر المحافظة، وحتى قبل النزاع الحالي، كانت المهرة تُعرف جيداً بأنها منطقة تهريب، حيث تمتد طرقها على طول الحدود العمانية والسعودية بالإضافة إلى ساحل بحر العرب. وقد بدأت الشائعات حول تهريب الأسلحة لجماعة الحوثيين عبر المهرة في 2013، مما دفع عُمان إلى بناء سور مكهرب على طول أجزاء من الحدود.[38] في أوائل نوفمبر / تشرين الثاني 2017، بثت قناة العربية التابعة للسعودية تقريراً عن وجود تهريب للأسلحة إلى الحوثيين عبر ساحل المهرة.[39] ووفقاً لمصادر دبلوماسية تحدثت إلى مركز صنعاء، تم نشر قوات أمريكية خاصة أيضاً في المهرة عام 2018 لدعم عمليات مكافحة التهريب التي يشنها التحالف.[40]

ظهر التوتر بين القوات السعودية والسكان المحليين في المهرة منذ اليوم الأول. في 11 نوفمبر / تشرين الثاني 2017، وصلت دفعة من الجنود السعوديين إلى مطار الغيضة، برفقة ضباط سعوديين و21 ضابطاً مهرياً سبق تدريبهم في مدينة الطائف السعودية قبل ثلاثة أشهر. ومع ذلك، منعت قوات الأمن المحلية في المهرة السعوديين من السيطرة على المطار بسبب عدم تنسيق وصولهم مع السلطة المحلية أو الأجهزة الأمنية أو الرئيس هادي.[41] وأدت المواجهة إلى تدخل شيوخ القبائل المحليين، الذين أرسلوا مسلحين لدعم قوات الأمن المحلية. تدخّل السلطان بن عفرار محاولاً التوسط بين قوات التحالف ورجال القبائل المهرية مع قوات الأمن المحلية. في 14 نوفمبر / تشرين الثاني، أمر نائب الرئيس علي محسن الأحمر بالسماح للقوات السعودية بالدخول، لكن المهريين رفضوا فتح الطريق دون موافقة من السلطة المحلية.

ولتحديد موقف جماعي لأبناء المهرة فيما يتعلق بالقوات السعودية، تم عقد اجتماع بين ممثلي السلطة المحلية ولجنة أمن المحافظة والمجلس العام والقبائل. في 15 نوفمبر / تشرين الثاني، حدد الاجتماع ستة شروط للسماح بنشر القوات السعودية، أهمها عدم تحويل المطار إلى ثكنة عسكرية، وضرورة التنسيق بين القوات السعودية والسلطة المحلية.[42] سُمح للقوات السعودية بالسيطرة على المطار بعد تلبية هذه الشروط.

بعد المعارضة التي لقيها انتشارها العسكري الأولي، تحركت السعودية للسيطرة على سلطة المهرة المحلية من خلال هندسة إقالة المحافظ. في 27 نوفمبر / تشرين الثاني، تم استبدال بن كده بمرسوم رئاسي وتعيينه في منصب وزير الدولة في الحكومة اليمنية. أخبر هادي في وقت لاحق مجموعة من الزعماء المهريين أنه كان سعيداً بقيادة بن كده، خاصةً مقاومته إغراء الانتقالي الجنوبي، وأن عزله بعد حين جاء بضغوط سعودية. ووفقاً لمسؤول محلي مهري التقى بهادي في عدن بعد ذلك، قال الرئيس إن الرياض هددت بوقف الدعم المالي للحكومة ما لم توافق على تعيين المرشح السعودي راجح باكريت محافظاً للمهرة.[43]

وصل المحافظ الجديد إلى مطار الغيضة في 1 يناير / كانون الثاني 2018 على متن طائرة سعودية، بمرافقة شيوخ مهريين حاصلين على الإقامة السعودية منذ الثمانينات. كانت تجربة باكريت الوحيدة المعروفة في المحافظة هي التدريس بوزارة التربية والتعليم حتى عام 2000. وقد عاش لاحقاً في الرياض، وكذلك الإمارات وقطر، قبل أن يعود إلى المهرة ويتولى لاحقا منصب المحافظ.[44]

بين إقالة بن كده ووصول باكريت، كثفت السعودية بسرعة بناءها العسكري في المحافظة. وزادت الرحلات الجوية بين الرياض والغيضة، وكذلك زاد الوجود العام للجنود السعوديين المنتشرين في المطار.[45] كما سيطرت القوات السعودية على ميناء نشطون على ساحل المهرة، إلى جانب منفذَي شحن وصرفيت الحدوديَّين مع عُمان. وتم وضع إجراءات أمنية إضافية في منفذ شحن، بما في ذلك تركيب جهاز مسح بالأشعة السينية لفحص البضائع التي تدخل اليمن. كما فرضت القوات السعودية على البضائع المستوردة العبور حصراً عبر الميناء والمنافذ الحدودية.[46][47] تسبب هذا في تشكّي السكان المحليين من تباطؤ استيراد البضائع ومطالبتهم بإعادة نقاط الدخول إلى سيطرة السلطة المحلية. كما أعرب زعماء قبائل المهرة عن قلقهم المتزايد من تأثير عسكرة المحافظة على السلام والتماسك والهوية الاجتماعية في المهرة، خاصة بعد ظهور تقارير تفيد بأن السعودية توزع أسلحة على بعض القبائل كجزء من جهودها المبذولة لمكافحة التهريب.[48]


رجال قبائل من المهرة يرفعون أعلام الجمهورية اليمنية و العلم القديم للمهرة تحضيراً للاحتجاج في منطقة الطوف بمديرية حات ضد الوجود العسكري السعودي في المحافظة، 24 سبتمبر / أيلول 2018.


الوافدون السلفيون يتسببون بمعارضة محلية

أحد أبرز الحوادث المتعلقة بالنفوذ السعودي في المهرة وقدوم المحافظ الجديد باكريت جرى في أوائل شهر يناير / كانون الثاني عام 2018 في قشن، العاصمة التاريخية لسلاطين آل عفرار. خلال الأسبوع الأول من عام 2018، وصل مئات السلفيين – وفقاً للتقديرات المحلية – النازحين من مناطق أخرى في اليمن إلى البلدة والمتمركزين حول مسجد الفرقان. مثّل هذا التدفق تحولاً ديموغرافياً كبيرا في المديرية، التي كان يبلغ عدد سكانها حوالي 30 ألف نسمة. ولم يكن السلفيون الذين يعيشون في قشن قبل يناير / كانون الثاني 2018 أكثر من ثلاث أسر.[49] وكان السلفي المحلي عبد الله محمد المهري – الذي أمضى بعض الوقت في مركز دار الحديث السلفية البارزة في دماج بمحافظة صعدة، وطور علاقته بيحيى الحجوري، العالم السلفي الذي كان يدير المركز خلفا لمقبل الوادعي – قد تبرع بقطعة أرض كبيرة بجوار مسجد الفرقان لصالح السلفيين النازحين، تحول الموقع إلى مخيم لمعظم هؤلاء النازحين، وسرعان ما بدأت شائعات تدور حول إنشاء مركز سلفي في البلدة بتمويل سعودي.[50]

تأكدت هذه الشائعات في أعين السكان المحليين عندما ظهر مبنى جديد بجوار مسجد الفرقان. في 5 يناير / كانون الثاني، زار باكريت المديرية برفقة مجموعة من الضباط العسكريين السعوديين، والتقى المحافظ والوفد المرافق له مع السلفيين ووعد بتقديم الإغاثة لهم، في حين تم توزيع سلال الطعام من قبل مركز الملك سلمان للإغاثة والعمل الإنساني.[51] ونتيجة لذلك، اعتقد السكان المحليون أن السعودية تنظم حملة لتغيير النسيج الاجتماعي في المنطقة. بشكل عام، يتبع المهريون نسخة معتدلة نسبياً من الإسلام السني، ويرفضون الأيديولوجيات المحافظة المتطرفة مثل السلفية. من الشائع على سبيل المثال أن تستضيف النساء المهريات رجالاً في نفس الغرفة. وقد وفرت هذه الاختلافات الأيديولوجية حافزاً كبيراً لبدء احتجاج مرتجل ضد تدفق السلفيين.

قام بتنظيم مظاهرة قشن ضد بناء المركز السلفي مدرسة للغة الإنجليزية تدعى فاطمة سعيد سعدان، وهي شقيقة وكيل المحافظة السابق سعيد سعدان. بدأت فاطمة بصياغة نداء يدعو لتعبئة النساء في المنطقة ضد الوجود السلفي ونشرته عبر الواتساب، وقد قوبل النداء بدعم تجاوز 100 امرأة في اليوم الأول.[52] في 7 يناير / كانون الثاني، سارت النساء من مدرسة سعدان إلى مبنى الإدارة المحلية، وقرأن هناك بياناً يطالبن فيه السلطة المحلية بمنع بناء المركز السلفي. ظهر المدير العام للسلطة المحلية في قشن أمام الحشد ووعد بتولي المسألة، وأمر بوقف مؤقت لأنشطة البناء قرب المسجد، وأرسل رسالة حول الوضع إلى المحافظ باكريت، لكن المحافظ لم يرد عليه في ذلك اليوم. كما طلب المدير من المحتجين تشكيل لجنة لتمثيل مطالبهم، وتم اختيار سعدان كعضوة.

بعد ذلك اجتمعت اللجنة في 8 يناير / كانون الثاني مع مسؤولين محليين وشيوخ قبائل، وطالبت بالالتقاء شخصياً بباكريت لرفع مطالبها. وفي نفس اليوم، عندما علمت اللجنة النسائية أن باكريت يزور مديرية المسيلة، التي تبعد حوالي 130 كيلومتراً من قشن، أصدر الأعضاء نداء آخر عبر الواتساب للتجمع على طريق عودة المحافظ إلى الغيضة.[53] وبالفعل تجمع مئات المحتجين وسدوا طريق موكب المحافظ. وفي مواجهة المعارضة، وافق باكريت والمسؤولون السعوديون على الاجتماع باللجنة النسائية والشيوخ المحليين في المنطقة. في اليوم التالي، بينما كان باكريت يزور حي مديرية حصوين المجاورة، تظاهر السكان أيضاً ضد السلفيين وشتموا المحافظ الجديد، برفع شعارات تصفه بأنه “نصاب”.[54]

خلال الاجتماع بين لجنة قشن والمحافظ في 14 يناير / كانون الثاني، وعد باكريت بحل المشكلة، في حين نفى الوفد السعودي أن يكون المتسبب بتدفق السلفيين أو المخطط لبناء مركز سلفي.[55] بعد تعهّد المحافظ بأنه لن يبنى أي مركز سلفي، قام العديد من السلفيين بترك مخيمهم في مدينة قشن نحو مناطق أخرى من المهرة، بما في ذلك مديريتي الغيضة وحصوين. ومع ذلك ما يزال السلفيون يسافرون إلى قشن ويتجمعون في مسجد الفرقان لأداء صلاة الجمعة.[56]

استمرار التعزيزات العسكرية السعودية

بحلول مارس / آذار 2018، كانت القوات السعودية قد حولت مطار الغيضة إلى ثكنة عسكرية. كان هذا مخالفاً لأحد الشروط الأساسية التي وضعتها السلطة المحلية قبل سماحها بالانتشار السعودي الأولي في نوفمبر / تشرين الثاني 2017. وحتى كتابة هذه السطور، تضم الثكنة قيادة عمليات مركزية لجمع المعلومات الاستخبارية وتنظيم المهام والإشراف على معسكرات الجيش السعودي الرئيسية الستة في المحافظة، والتي بدورها تنسق بين المواقع العسكرية الأصغر. وما زالت التعزيزات والآلات والأسلحة تصل إلى المهرة عبر المطار. وقد أضيفت تدابير أمنية جديدة في المنشأة تقيّد الوصول حتى بالنسبة لمسؤولي الحكومة اليمنية ومسؤولي الأمن، كما تم إلغاء الرحلات الجوية المدنية نهائياً.[57] وأنشئت ثكنة عسكرية في ميناء نشطون أوائل عام 2018. في يناير / كانون الثاني من العام نفسه، وصلت سفينة حربية سعودية إلى الميناء على متنها عدد من الجنود بأسلحة متوسطة وثقيلة. وفي المجموع، تم نشر ما بين 1500 و2000 جندي سعودي في جميع أنحاء المحافظة.[58] وبالإضافة إلى ميناءي الغيضة ونشطون، تم إنشاء ثكنات رئيسية في مديرية حات بمديرية حوف وجدوة بمديرية حصوين ودرفات بمديرية سيحوت.

ولاستكمال نشر قواتها، بدأت الرياض أيضاً في توظيف وكلاء يمنيين لها كقوات أمنية في المهرة. كانت الوحدة الأكثر شهرة، المعروفة محلياً باسم قوات الرد السريع، كتيبة مؤلفة من جنود ملثمين يرتدون ملابس سوداء ويتجولون في سيارات الدفع الرباعي السوداء بطريقة تشبه قوات مكافحة الإرهاب. ينحدر أعضاء الوحدة من المحافظات الجنوبية في أبين والضالع ولحج وعدن، ويقال إنهم من قدامى المحاربين في معركة عدن 2015 بين قوات الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين. كذلك قام ناصر عبد ربه منصور هادي، نجل الرئيس هادي، بنشر قواته في المهرة في وقت لاحق ووضعها تحت سيطرة المحافظ باكريت. لم تكن الوحدة، التي يقع مقرها في القصر الرئاسي في الغيضة، خاضعة لسلسلة قيادة قوات الأمن المحلية، على الرغم من تلقيها رواتبها من ميزانية المحافظة.[59] وبسبب النظرة المحلية لها بوصفها أداة جنّدتها السعودية عبر المحافظ لقمع المقاومة المحلية، بدأ السكان في الإشارة إليها باسم “الحزام الأمني في المهرة”، في إشارة إلى التشكيلات المسلحة التي تدعمها الإمارات وتعمل في محافظات عدن ولحج وأبين.[60] ومع ذلك، جرى تهميش قوات الرد السريع لاحقاً دون تفسير في منتصف عام 2018 بعد وصول قوات يمنية أخرى تم تجنيدها من المحافظات الجنوبية.

لبناء قوات بالوكالة في المهرة، قام المسؤولون العسكريون السعوديون بتجنيد اليمنيين بشكل أساسي من محافظات لحج وأبين والضالع. ومثل قوة الرد السريع من قبل، فإن هذه التشكيلات المسلحة غير قانونية لأنها موجودة خارج سجلات وسيطرة السلطة المحلية في المهرة. لا يوجد تقدير موثوق به للعدد الإجمالي لمقاتلي هذه الميليشيات، لكن يُقدر أنها تشكل عدة كتائب وأنها تضم الآلاف من المقاتلين. والكثير من هؤلاء يتقاضون رواتب بالريال السعودي، ويقودهم ضباط يمنيون بإشراف مسؤولين عسكريين سعوديين.[61] تنتشر القوات اليمنية الموالية للسعودية حول الثكنات العسكرية السعودية وفي المواقع الصغيرة المحيطة بالمحافظة، بما في ذلك على طول الخط الساحلي الطويل للمهرة، مما أدى إلى تسمية بعض الوحدات محليا بـ “خفر السواحل”.

ومن ثكنتها الرئيسية في مطار الغيضة، بدأت القوات السعودية بالاضطلاع بدور مواز لدور الجهاز الأمني الحكومي في المهرة، حيث يتم إطلاق عمليات الاستطلاع الجوي وغيرها من العمليات من مركز القيادة في الثكنة، بشكل متجاوز للسلطة المحلية.

“شكلك تشتي تروح المطار” أصبحت نكتة بين المهريين الذين يناقشون الحرب أو السياسة أو الوجود السعودي، في إشارة إلى تكهنات محلية بوجود سجن سري في المنشأة. إن التعتيم المحيط بالعمليات المدعومة سعودياً في المحافظة أثار قلق السكان المحليين وأدى إلى تحفظهم عن توجيه أي نقد علني للسعودية خلال النصف الأول من عام 2018.



 

معارضو الرياض يحشدون أنصارهم في المهرة

بدأت حركة الاحتجاج الرسمية ضد الوجود السعودي في المحافظة بعد عودة السلطان بن عفرار في مايو / أيار 2018 من مسقط. كان بن عفرار مقيماً في العاصمة العمانية منذ مغادرته السعودية عام 2017، وكان يسافر في بعض الأحيان إلى المهرة وسقطرى. وكما رأت محاولات الإمارات توسيع نفوذها في المهرة، رأت عُمان الوجود العسكري السعودي في المحافظة، ولا سيما الاستيلاء على المنافذ الحدودية مع السلطنة، كتحدٍ لنفوذها التاريخي. تم الاستعداد لعودة السلطان بن عفرار من قبل وكيل محافظة المهرة لشؤون الصحراء علي سالم الحريزي، إلى جانب عدد من الشيوخ الذين حاولوا في نوفمبر / تشرين الثاني 2017، منع انتشار القوات السعودية في مطار الغيضة.

عندما علم السعوديون بالاستعدادات، هدد قائد القوات السعودية في المهرة، المعروف محلياً باسم أبو سلطان، أحد زعماء القبائل المحلية، الشيخ عبود بن هبود المهري، قائلاً إن الأخير سيتحمل شخصياً العواقب في حال استقبال السلطان بن عفرار بحشد كبير وأكثر من خمس سيارات. أجاب الشيخ أن المهريين سيستقبلون بن عفرار بـ500 سيارة.[62] وعندما وصل بن عفرار إلى اليمن عبر منفذ شحن الحدودي في 6 مايو / أيار 2018، قُدر الحشد الذي كان يستقبل موكبه بالآلاف.[63]

عند وصوله، ألقى بن عفرار خطاباً أمام الحشد طالب فيه بخروج جميع القوات السعودية من المهرة، بالإضافة إلى خروج القوات الإماراتية من جزيرة سقطرى.[64] ومثل ذلك أول بيان علني ضد الوجود السعودي في المهرة. وبالنظر إلى مكانته في المهرة، لم تستطع الرياض تحدي بن عفرار بالطريقة نفسها التي واجهت خصومها الآخرين في المحافظة. حتى المحافظ باكريت اضطر إلى الاحتفاء ببن عفرار، حيث أقام مأدبة بعد يوم من وصوله ضمت أعضاء من السلطة المحلية وكذلك ضباطاً وزعماء قبائل سعوديين. وفي تلك الفعالية كرر السلطان دعوته السعوديين لمغادرة المهرة.

شجعت عودة السلطان بن عفرار أبناء المهرة، الذين كانوا مستائين من السعودية، على البدء في التحدث علناً ??ضد انتشارها العسكري ومحاولات فكفكة السلطة المحلية. في 9 مايو / أيار 2018، بدأ السكان المحليون، بعد مرافقة السلطان إلى منزله بالغيضة، باعتصام للمطالبة برحيل القوات السعودية. تم اختيار منزل بن عفرار كمكان للاحتجاج لأن المتظاهرين المهريين رأوا في بن عفرار شخصية توافقية يمكن أن ترفع مطالبهم للسلطات. كما تم تشكيل لجنة محلية لإدارة المتظاهرين ونقل مطالبهم.[65] ومع ذلك، لم يحظ الاحتجاج باهتمام إعلامي كبير، حيث جرى إطلاقه في الفترة السابقة لشهر رمضان.

في اليوم الأول من رمضان، بعد أسبوعين من بدء الاعتصام، قدم المنظمون ستة مطالب نيابة عن اللجنة المنظمة إلى السلطان بن عفرار، ثم قاموا بحل المظاهرة. 

وبينما واصلت الرياض توسعها العسكري وتجاهلت الدعوات المطالبة بمغادرة المهرة، تم تنظيم اعتصام ثانٍ في الغيضة في 25 يونيو / حزيران، 2018. على عكس المظاهرة الأولى، تم تنظيم هذا التجمع الثاني مقدماً بوقت كافٍ وشمل زيادة في حضور النساء ووسائل الإعلام المحلية. كما كان أكثر جرأة في معارضتها، حيث هاجم الم



مشاركة الخبر:

كلمات دلالية:

تعليقات